تواجه طهران واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والسياسية في تاريخها الحديث، حيث يشهد الاقتصاد الإيراني تراجعًا حادًا مع انهيار قيمة العملة الوطنية، وارتفاع معدلات التضخم، واستمرار العقوبات الدولية التي تضيق الخناق على البلاد بشكل غير مسبوق.
وفي ظل هذه التحديات، صوّت البرلمان الإيراني على إقالة وزير الاقتصاد، عبد الناصر همتي، متهمًا إياه بالفشل في إدارة الأزمة الاقتصادية، في خطوة تعكس تصاعد الخلافات بين التيارات المتشددة والمعتدلة داخل النظام، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي والاقتصادي في البلاد.
وقد تزامنت هذه الإقالة مع استقالة محمد جواد ظريف من منصب نائب الرئيس، مما يُشير إلى تزايد الانقسامات داخل الحكومة بشأن كيفية التعامل مع التحديات الاقتصادية والدبلوماسية التي تواجه البلاد، وبينما تسعى الحكومة إلى تجاوز تداعيات العقوبات الأمريكية ومحاولة إنقاذ الاقتصاد، تتصاعد الانتقادات الداخلية والخارجية لأداء القيادة الإيرانية، وسط مخاوف من اندلاع موجات احتجاج جديدة نتيجة الضغوط المعيشية المتزايدة.
وقرر البرلمان الإيراني، إقالة وزير الاقتصاد عبد الناصر همتي من منصبه، بعد اتهامه بسوء إدارة الملف الاقتصادي وتدهور العملة الوطنية، وتصويت بحجب الثقة، وذلك بعد نحو ثمانية أشهر فقط من تشكيل حكومة الرئيس مسعود بزشكيان.
أزمة اقتصادية غير مسبوقة في إيران
تُشير التقارير إلى أنَّ العملة الإيرانية \”الريال\” فقدت ما يقرب من نصف قيمتها خلال الأشهر الثمانية الماضية، حيث تراجع سعر الصرف من 595,500 ريال للدولار في أغسطس الماضي إلى 927,000 ريال للدولار حاليًا.
ووفقًا لما نقلته وسائل إعلام رسمية إيرانية، فقد انتقد نواب في البرلمان أداء همَّتي، معتبرين أنَّه فشل في السيطرة على ارتفاع الأسعار، خاصة أسعار السلع الأساسية مثل الدواء، والغذاء، والإسكان، وأسواق الصرف.
كما ذكرت وسائل الإعلام أنَّ همتي ركّز على محاولة إنهاء العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، والسعي لرفع اسم البلاد من القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي (FATF)، وهي منظمة دولية لمكافحة تمويل الإرهاب وغسيل الأموال، لكنَّ هذا التوجه لم يلقَ قبولًا من بعض نواب البرلمان الذين يطالبون الحكومة بالتركيز على \”تحييد العقوبات\” بدلًا من السعي لإنهائها عبر مفاوضات مع الغرب.
على الجانب الآخر، حذر أنصار همتي من أنَّ إقالته في هذا التوقيت قد تزيد من عدم الاستقرار الاقتصادي، خاصَّة أنَّ إيران لا تزال تحت وطأة العقوبات الأمريكية المشددة. ووفقًا للتقارير الرسمية، فقد صوت 182 نائبًا لصالح إقالة همتي، بينما عارض القرار 89 نائبًا، ما أدى إلى الإطاحة به رسميًا من منصبه كوزير للاقتصاد.
إقالة وزير الاقتصاد.. محاولة للإنقاذ أم تفاقم للأزمة؟
يعد الاقتصاد الإيراني أحد أكبر التحديات التي تواجه النظام الحاكم، حيث تخشى السلطات من تجدد موجات الاحتجاجات التي يقودها أصحاب الدخول المنخفضة والمتوسطة الذين يعانون من ارتفاع معدلات الفقر والتضخم منذ عام 2017.
يذكر أن الولايات المتحدة، في عهد الرئيس دونالد ترامب، أعادت فرض سياسة \”الضغط الأقصى\” على إيران، بهدف خفض صادراتها النفطية إلى الصفر، مما أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد.
وفي سياق متصل، أعلن الدبلوماسي الإيراني المخضرم محمد جواد ظريف استقالته من منصب نائب الرئيس، وذلك بعد يوم واحد فقط من إقالة البرلمان لوزير المالية، في خطوة تعكس تصاعد الخلافات بين التيارين المتشدد والمعتدل داخل النظام الإيراني.
وكان ظريف قد نشر بيانًا على منصة \”إكس\”، أوضح فيه أنَّ قراره جاء بعد اجتماع مع رئيس السلطة القضائية، الذي حثه على التنحي بسبب الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد ولتفادي \”المزيد من الضغوط على الحكومة\”، لكنَّه لم يقدم تفاصيل إضافية حول ملابسات الاستقالة.
حتى الآن، لم يتضح ما إذا كانت استقالة ظريف نهائية أم أنها تتطلب موافقة الرئيس مسعود پزشكيان، علمًا أنّها جاءت في ظل تصاعد الانتقادات لأداء حكومة پزشكيان، خاصة فيما يتعلق بـ \”التعامل مع الأزمة الاقتصادية والانخفاض الحاد في قيمة العملة المحلية\”.
ومن الجدير بالذكر أنّ الريال الإيراني فَقَد ما يقرب من 50% من قيمته خلال الأشهر الثمانية الماضية، حيث انخفض سعر الصرف من 595,500 ريال للدولار في أغسطس الماضي إلى 927,000 ريال للدولار حاليًا، مما تسبب في ارتفاع أسعار السلع الأساسية وأثار غضب الشارع الإيراني.
اقرأ أيضًا: خطة ترامب لإفلاس إيران من خلال الضغوطات القصوى
استقالة ظريف.. ضغوط سياسية أم خطوة استراتيجية؟
لم تكن استقالة ظريف حدثًا استثنائيًا، فقد سبق له أن قدَّم استقالته عدة مرات خلال فترة توليه منصب وزير الخارجية، وكان آخرها في أغسطس الماضي، بعد أيام فقط من تعيينه، لكن الرئيس رفضها آنذاك.
ورغم جهوده في اتِّباع دبلوماسية منفتحة لتخفيف الضغوط الدولية، إلَّا أنَّ تقاربه مع الغرب جعله عرضة لانتقادات مستمرة من التيار المُتَشَدِّد داخل إيران، الذي رأى في سياساته تهديدًا لسيادة البلاد ومصالحها الاستراتيجية.
ما الذي يعنيه رحيل ظريف عن المشهد السياسي؟
- استمرار هيمنة المتشددين: تشير هذه الاستقالة إلى أنَّ التيار المحافظ يزداد تأثيرًا داخل الحكومة، مما قد يُعَقِّد أي محاولات لاستئناف المفاوضات النووية.
- تفكك معسكر المعتدلين: يعتبر خروج ظريف من الحكومة ضربة قوية للتيار الإصلاحي الذي كان يخطط لإيجاد حلول وسط للأزمة الاقتصادية والسياسية.
- تصاعد الأزمة الاقتصادية: في ظل غياب استراتيجية واضحة للخروج من المأزق الاقتصادي، من المرجح أن يؤدي رحيل ظريف وهمتي معًا إلى مزيد من عدم الاستقرار في إيران.
ويظل من غير الواضح كيف ستتعامل حكومة مسعود پزشكيان مع هذه الأزمة السياسية والاقتصادية، وما إذا كان سيتم تعيين شخصية جديدة من التيار المحافظ مكان ظريف، أم أنَّ الرئيس سيسعى لإعادة التوازن داخل حكومته.
هل تتجه إيران نحو مزيد من التوتر؟
تتجه الأنظار إلى الشارع الإيراني، حيث تتزايد حالة الغضب الشعبي بسبب الأزمة الاقتصادية، مما يضع الحكومة في موقف صعب قد يؤدي إلى تصعيد أكبر خلال الفترة المقبلة.
ومن جانبه، صرّح الدكتور ياسر حسين، أستاذ الاقتصاد الدولي، بأنَّ إيران تواجه أزمة اقتصادية غير مسبوقة نتيجة التراجع الحاد في قيمة العملة الوطنية، وارتفاع معدلات التضخم، واستمرار العقوبات الدولية. كما أكَّد أنَّ الوضع الاقتصادي في إيران يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، حيث فقد الريال الإيراني أكثر من 50% من قيمته خلال الأشهر الأخيرة، متجاوزًا حاجز 900,000 ريال للدولار الواحد.
وأوضح في تصريحات خاصة لموقع \”إيكونبيديا\” أنَّ العقوبات الأمريكية المفروضة على قطاع النفط والبنوك الإيرانية أدَّت إلى تفاقم الأوضاع في إيران وشح العملات الأجنبية، مما تسبب في ارتفاع هائل في أسعار السلع الأساسية والأدوية والإسكان، وهو ما انعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين. وأضاف أنَّ إيران تحاول الالتفاف على العقوبات من خلال بيع النفط بخصومات كبيرة، لكنَّها لا تزال غير قادرة على تعويض خسائرها المالية.
وأكَّد الدكتور ياسر حسين أنَّ التضخم في إيران تجاوز 50% في بعض الأشهر، مما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، مُشيرًا إلى أنَّ أسعار السلع الغذائية الأساسية تضاعفت في بعض الحالات، مما زاد من الأعباء المعيشية على الطبقات الفقيرة والمتوسطة. كما لفت إلى أنَّ الحكومة فشلت في السيطرة على سوق الصرف، مما أدى إلى زيادة المضاربات وتدهور قيمة الريال الإيراني بشكل متسارع.
اطّلع أيضًا على أحداث سابقة: أزمات داخلية وجيوسياسية متفاقمة تُهدد استقرار الاقتصاد الإيراني
هل من مخرج للأزمة الاقتصادية؟
أوضح حسين أنَّ المحاولات السابقة لإصلاح نظام الدعم الحكومي لم تُحقق النتائج المرجوة، بل زادت من الضغوط على المواطنين، مُضيفًا أنَّ إيران حاولت تعزيز علاقاتها التجارية مع الصين وروسيا لتخفيف آثار العقوبات الغربية، إلَّا أنَّ هذه الشراكات لم تعوِّض الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي تكبَّدتها البلاد بسبب العزلة المالية المفروضة عليها. كما شدَّد على أنَّ اعتماد إيران المُفرط على النفط يجعل اقتصادها هشًا وعرضة للتقلبات في الأسواق العالمية، مما يزيد من صعوبة التنبؤ بمستقبل الاقتصاد الإيراني.
وبخصوص السيناريوهات المحتملة، أشار الدكتور ياسر حسين إلى أنَّ إيران أمام خيارين رئيسيين: إما التوصل إلى اتفاق نووي جديد يؤدي إلى رفع جزئي للعقوبات ويمنح الاقتصاد بعض الاستقرار، أو استمرار الوضع الحالي، مما سيؤدي إلى مزيد من الانهيار في قيمة العملة وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وقد حذَّر حسين من أنَّ غياب الحلول الجذرية قد يؤدي إلى اضطرابات شعبية أوسع نطاقًا، خاصة في ظل تزايد معدلات الفقر والبطالة.
وفي ختام حديثه، أكَّد الدكتور ياسر حسين أنَّ الأوضاع في إيران بحاجة إلى إصلاحات اقتصادية حقيقية وتنويع مصادر الدخل لتخفيف اعتمادها على النفط، مُشَدِّدًا على أن َّالحلول التقليدية لم تعد كافية لإنقاذ الاقتصاد من الانهيار. وأضاف أنَّ الحكومة يجب أن تتخذ خطوات جريئة وعملية قبل أن يُصبح الوضع أكثر تعقيدًا، خاصة مع استمرار الضغوط الدولية والتوترات الداخلية.
موضوع هام: أمريكا تُشدد الخناق على إيران.. عقوبات جديدة تستهدف “أسطول النفط الخفي”








